وسيتعين على من سيبقى من هؤلاء الأشخاص في المدينة، مواصلة محاولات التوفيق بين مواقيت الصلاة التقليدية المتعارف عليها في بقاع العالم
الأخرى، والسمات الفريدة لحركة الشمس فوق القطب الشمالي.
من بين أول من بذلوا جهودا على هذا الصعيد، مريم مو، وهي سيدة وُلِدَت في ترومسو واعتنقت الإسلام قبل سنوات. فبالتوازي مع تأسيس مسجد مركز النور، توجهت هذه السيدة وعدد أخر من الشخصيات البارزة في المركز، إلى الهيئات المسؤولة عن الإفتاء في المملكة العربية السعودية ومصر والكويت، لسؤالها حول ظاهرة شمس منتصف الليل وتأثيرها على تحديد مواقيت الصلاة.
وقد أصدر رجال الدين في الدول الثلاث فتوى، تتيح ثلاثة خيارات لسكان ترومسو؛ إما الصلاة بحسب مواقيت أقرب بلد للنرويج تشرق فيه الشمس وتغرب بشكل منتظم طوال العام، أو أن يصلي كل شخص بحسب مواقيت بلده الأصلي. أما الخيار الثالث فيتمثل في الصلاة بحسب المواقيت المعمول بها في مكة؛ مسقط رأس النبي محمد.
واتفق المسجدان الموجودان في المدينة على تطبيق الخيار الأخير مؤقتا على الأقل "حتى نجد شيئا أفضل" كما يقول وايزي. إذ يرى هذا الرجل وغيره، أن ذلك الحل لا يعالج بشكل كامل مشكلتهم وطبيعة هويتهم الجديدة كمسلمين نرويجيين، بل إنه - وببساطة - يفرض عليهم مواقيت صلاة مجلوبة من بقعة بعيدة للغاية.
وقد دخلت جهود البحث عن حل أفضل لتلك المعضلة مرحلة جديدة في أبريل/نيسان الماضي، عندما توجه إماما مسجديْ ترومسو إلى السويد، لإجراء نقاشات مع رجال دين مسلمين من هناك ومن الدنمارك وفنلندا كذلك، حول مواقيت الصلاة وما يتصل بها من مواعيد الصوم والإفطار في شهر رمضان. وشارك في النقاشات كذلك ممثلون عن السكان المسلمين في بلدة ألتا ومدينة هامرفست النرويجيتيْن.
وبعد نقاشات مطولة، بلور رجال الدين المشاركون فيها اقتراحا مفاده جعل توقيت صلاتيْ الظهر والعصر مرتبطين بموقع المنطقة التي ستجري الصلاة فيها، سواء عبر رصد حركة الشمس بشكل مباشر خلال الصيف أو من خلال الاستعانة بالحسابات الفلكية في فصل الشتاء. أما الصلوات الأخرى؛ وهي الفجر والمغرب والعشاء، فستتوافق مواقيتها - بحسب ذلك المقترح - مع المواقيت المعمول بها في مكة، بهدف إضفاء التوازن على مواقيت الصلاة خلال اليوم بأكمله.
ومنذ أبريل/نيسان الماضي، أصبحت هذه المنظومة - التي تجمع بين مواقيت الصلاة المحلية وتلك السارية في مكة - هي النظام المطبق رسميا في ترومسو. رغم ذلك فلا يزال
هناك ظواهر طبيعية قد يدفعك مجرد الفضول العلمي لفهمها، كظاهرة نشأة الكون، كما أن ظواهر أخرى لا بد لنا من العمل على فهمها لأن مستقبل الجنس البشري كله متعلق بها، كظاهرة الاحتباس الحراري.
أصبحت بعد سنوات من العمل بشغف في مجال الفيزياء أكثر اهتماما بالتغير المناخي، وإن سئلت اليوم عن سبب هذا الاهتمام، لكررت الجواب نفسه لكني هذه المرة لن أكتفي بذلك إذ اختلفت أشياء كثيرة.
إن كان هناك سبب وحيد للأحداث التي ستؤثر تأثيرا عميقا على جميع البشر في كل أصقاع الكرة الأرضية في العقود المقبلة، فسيكون هو التغير المناخي، وستؤثر عواقب هذا التغير على كل واحد منا، كبارا كنا أم صغارا، أغنياء كنا أو فقراء. ربما ليس في التوقيت ذاته أو بالشدة نفسها، ولكنها ستلحق بنا جميعا في نهاية المطاف.
في بعض الأحيان، كما في ظاهرة التغير المناخي، لا يعود مجرد إشباع الفضولالعلمي كافيا وإنما يصبح العمل على تفادي الأسوأ مطلوبا. بل مُلحا. هذا ما استنتجته بعد مرور عامين تقريبا قضيتهما باحثة في معهد علم المحيطات بجامعة هامبورغ الألمانية؛ وأيضا كأم تشعر بالقلق إزاء مستقبل الأجيال القادمة.
هذا الأمر غير نهائي حتى الآن. فكما تقول نادية حكمي: "من المتفق عليه دائما أنه لن يكون هناك قرار نهائي، فالعملية لا تزال جارية".
ومن المقرر أن يستضيف مسجدا ترومسو في منتصف ديسمبر/كانون الأول المقبل، مؤتمرا لمتابعة ما جرى من نقاشات في السويد. وسيخصص هذا المؤتمر المزمع لبحث مواقيت الصلاة التي حُدِدَت مبدئيا في أبريل/نيسان الماضي.
على أي حال لا يلتزم الجميع بالمواقيت الجديدة للصلاة. فقلة منهم واصلوا الصلاة بحسب مواقيت مكة، بينما ظل آخرون مرتبطين بأوقات الصلاة في بلدانهم الأصلية.
وبعد أداء صلاة العشاء في أحد الأيام، سألت يوسف إمام مسجد النور، عما إذا كان يشعر بالقنوط إزاء قرب حلول فصل الشتاء الوشيك الذي ستغيب عنه الشمس تماما، فرد عليّ بالقول إنه اعتاد ذلك، راويا لي رحلته الطويلة من الصومال - التي فر من العنف الذي كان يسودها - حتى وصل إلى هذه المدينة النرويجية القريبة من أقصى شمال العالم.
على أي حال، فبعد وقت ليس بالطويل، ستشهد قمة جبل ستورشتاينن حفل وداع حزينا للشمس الغاربة، التي لن تشرق من جديد على ترومسو قبل حلول العام المقبل. لكن بالنسبة ليوسف لا يبدو الأمر مزعجا بشدة، إذ قال لي وهو ينظر إلى السماء التي بدأت تشهد ملامح شفقٍ أتى مبكرا: "هذا البلد يمنحنا شيئا مختلفا. فنحن ننعم بالسلام، وذلك يعني الكثير".
من بين أول من بذلوا جهودا على هذا الصعيد، مريم مو، وهي سيدة وُلِدَت في ترومسو واعتنقت الإسلام قبل سنوات. فبالتوازي مع تأسيس مسجد مركز النور، توجهت هذه السيدة وعدد أخر من الشخصيات البارزة في المركز، إلى الهيئات المسؤولة عن الإفتاء في المملكة العربية السعودية ومصر والكويت، لسؤالها حول ظاهرة شمس منتصف الليل وتأثيرها على تحديد مواقيت الصلاة.
وقد أصدر رجال الدين في الدول الثلاث فتوى، تتيح ثلاثة خيارات لسكان ترومسو؛ إما الصلاة بحسب مواقيت أقرب بلد للنرويج تشرق فيه الشمس وتغرب بشكل منتظم طوال العام، أو أن يصلي كل شخص بحسب مواقيت بلده الأصلي. أما الخيار الثالث فيتمثل في الصلاة بحسب المواقيت المعمول بها في مكة؛ مسقط رأس النبي محمد.
واتفق المسجدان الموجودان في المدينة على تطبيق الخيار الأخير مؤقتا على الأقل "حتى نجد شيئا أفضل" كما يقول وايزي. إذ يرى هذا الرجل وغيره، أن ذلك الحل لا يعالج بشكل كامل مشكلتهم وطبيعة هويتهم الجديدة كمسلمين نرويجيين، بل إنه - وببساطة - يفرض عليهم مواقيت صلاة مجلوبة من بقعة بعيدة للغاية.
وقد دخلت جهود البحث عن حل أفضل لتلك المعضلة مرحلة جديدة في أبريل/نيسان الماضي، عندما توجه إماما مسجديْ ترومسو إلى السويد، لإجراء نقاشات مع رجال دين مسلمين من هناك ومن الدنمارك وفنلندا كذلك، حول مواقيت الصلاة وما يتصل بها من مواعيد الصوم والإفطار في شهر رمضان. وشارك في النقاشات كذلك ممثلون عن السكان المسلمين في بلدة ألتا ومدينة هامرفست النرويجيتيْن.
وبعد نقاشات مطولة، بلور رجال الدين المشاركون فيها اقتراحا مفاده جعل توقيت صلاتيْ الظهر والعصر مرتبطين بموقع المنطقة التي ستجري الصلاة فيها، سواء عبر رصد حركة الشمس بشكل مباشر خلال الصيف أو من خلال الاستعانة بالحسابات الفلكية في فصل الشتاء. أما الصلوات الأخرى؛ وهي الفجر والمغرب والعشاء، فستتوافق مواقيتها - بحسب ذلك المقترح - مع المواقيت المعمول بها في مكة، بهدف إضفاء التوازن على مواقيت الصلاة خلال اليوم بأكمله.
ومنذ أبريل/نيسان الماضي، أصبحت هذه المنظومة - التي تجمع بين مواقيت الصلاة المحلية وتلك السارية في مكة - هي النظام المطبق رسميا في ترومسو. رغم ذلك فلا يزال
كثيرا ما سئلت عن سبب شغفي بدراسة فيزياء الجسيمات ونشأة الكون، وكان الجواب دائما حاضرا، فالرغبة في فهم
الظواهر الطبيعية جزء من طبيعة الإنسان، كما أن طريقة تواصل البشر عبر الكتب باختلاف الزمن لها القدرة في بلورة هذه الرغبة لتصبح شغفا حقيقيا.
ضمّت مكتبة طفولتي في حلب كتبا مثل "كنوز العلم في أسئلة و أجوبة" لويليامرجارا و " 1، 2،3...لا
نهاية" لجورج غاموف، التي شاركتني ترحالي وتنقلت معي أينما حللت. لا لأنها تحتوي على آخر تطورات العلم، بل لأنها علمتني أن أطرح الأسئلة، وقادتني
لمغارة أكثر إثارة من مغارة علي بابا؛ الكنوز فيها ليست الأجوبة، بل
المحاولة المستمرة للفهم بناء على تطور المعطيات. هناك ظواهر طبيعية قد يدفعك مجرد الفضول العلمي لفهمها، كظاهرة نشأة الكون، كما أن ظواهر أخرى لا بد لنا من العمل على فهمها لأن مستقبل الجنس البشري كله متعلق بها، كظاهرة الاحتباس الحراري.
أصبحت بعد سنوات من العمل بشغف في مجال الفيزياء أكثر اهتماما بالتغير المناخي، وإن سئلت اليوم عن سبب هذا الاهتمام، لكررت الجواب نفسه لكني هذه المرة لن أكتفي بذلك إذ اختلفت أشياء كثيرة.
إن كان هناك سبب وحيد للأحداث التي ستؤثر تأثيرا عميقا على جميع البشر في كل أصقاع الكرة الأرضية في العقود المقبلة، فسيكون هو التغير المناخي، وستؤثر عواقب هذا التغير على كل واحد منا، كبارا كنا أم صغارا، أغنياء كنا أو فقراء. ربما ليس في التوقيت ذاته أو بالشدة نفسها، ولكنها ستلحق بنا جميعا في نهاية المطاف.
في بعض الأحيان، كما في ظاهرة التغير المناخي، لا يعود مجرد إشباع الفضولالعلمي كافيا وإنما يصبح العمل على تفادي الأسوأ مطلوبا. بل مُلحا. هذا ما استنتجته بعد مرور عامين تقريبا قضيتهما باحثة في معهد علم المحيطات بجامعة هامبورغ الألمانية؛ وأيضا كأم تشعر بالقلق إزاء مستقبل الأجيال القادمة.
هذا الأمر غير نهائي حتى الآن. فكما تقول نادية حكمي: "من المتفق عليه دائما أنه لن يكون هناك قرار نهائي، فالعملية لا تزال جارية".
ومن المقرر أن يستضيف مسجدا ترومسو في منتصف ديسمبر/كانون الأول المقبل، مؤتمرا لمتابعة ما جرى من نقاشات في السويد. وسيخصص هذا المؤتمر المزمع لبحث مواقيت الصلاة التي حُدِدَت مبدئيا في أبريل/نيسان الماضي.
على أي حال لا يلتزم الجميع بالمواقيت الجديدة للصلاة. فقلة منهم واصلوا الصلاة بحسب مواقيت مكة، بينما ظل آخرون مرتبطين بأوقات الصلاة في بلدانهم الأصلية.
وبعد أداء صلاة العشاء في أحد الأيام، سألت يوسف إمام مسجد النور، عما إذا كان يشعر بالقنوط إزاء قرب حلول فصل الشتاء الوشيك الذي ستغيب عنه الشمس تماما، فرد عليّ بالقول إنه اعتاد ذلك، راويا لي رحلته الطويلة من الصومال - التي فر من العنف الذي كان يسودها - حتى وصل إلى هذه المدينة النرويجية القريبة من أقصى شمال العالم.
على أي حال، فبعد وقت ليس بالطويل، ستشهد قمة جبل ستورشتاينن حفل وداع حزينا للشمس الغاربة، التي لن تشرق من جديد على ترومسو قبل حلول العام المقبل. لكن بالنسبة ليوسف لا يبدو الأمر مزعجا بشدة، إذ قال لي وهو ينظر إلى السماء التي بدأت تشهد ملامح شفقٍ أتى مبكرا: "هذا البلد يمنحنا شيئا مختلفا. فنحن ننعم بالسلام، وذلك يعني الكثير".